ابن أبي الحديد

143

شرح نهج البلاغة

إيطاء الشيطان ببني آدم ذلك إلقاؤه إياهم فيه ، وتوريطهم وحمله لهم عليه . فالإثخان على هذا منصوب لأنه مفعول ثان ; لا كما زعم الراوندي انه انتصب بحذف حرف الخفض . قوله عليه السلام ( طعنا في عيونكم ) ، انتصب ( طعنا ) على المصدر ، وفعله محذوف أي فعلوا بكم هذه الأفعال فطعنوكم في عيونكم طعنا ، فاما من روى ( وأوطأوكم لإثخان الجراحة ) باللام فإنه يجعل ( طعنا ) منصوبا على أنه مفعول به ، أي أوطأوكم طعنا وحزا ، كقولك أوطأته نارا ، وأوطأته عشوة ، ويكون ( لإثخان الجراحة ) مفعولا له ، أي أوطأوكم الطعن ليثخنوا جراحكم . وينبغي أن يكون ( قصدا ) و ( سوقا ) خالصين للمصدرية ، لأنه يبعد أن يكون مفعولا به . واعلم أنه لما ذكر الطعن نسبه إلى العيون ، ولما ذكر الحز ، وهو الذبح نسبه إلى الحلوق ، ولما ذكر الدق ، وهو الصدم الشديد إضافة إلى المناخر ، وهذا من صناعة الخطابة التي علمه الله إياها بلا تعليم ، وتعلمها الناس كلهم بعده منه . والخزائم جمع خزامة ، وهي حلقة من شعر تجعل في وترة أنف البعير فيشد فيها الزمام . وتقول قد ورى الزند ، أي خرجت ناره ، وهذا الزند أورى من هذا ، أي أكثر إخراجا للنار يقول فأصبح الشيطان أضر عليكم وأفسد لحالكم من أعدائكم الذين أصبحتم مناصبين لهم ، أي معادين ، وعليهم متألبين ، أي مجتمعين . فان قلت اما أعظم في الدين حرجا فمعلوم ، فأي معنى لقوله ( وأورى في دنياكم قدحا ) ، وهل يفسد إبليس أمر الدنيا كما يفسد أمر الدين قلت نعم لان أكثر القبائح الدينية مرتبطة بالمصالح والمفاسد الدنيوية ، الا ترى انه إذا أغرى السارق بالسرقة أفسد حال السارق من جهة الدين وحال المسروق منه من جهة الدنيا ،